حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
165
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
اصبر على مضض الحسو * د فإن صبرك قاتله النار تأكل نفسها * إن لم تجد ما تأكله فإفضاء صاحبه إلى الهلاك هو المعني بالزيادة . والأليم الوجيع . ووصف العذاب به على طريقة قولهم « جد جده » والألم بالحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد . والمراد بكذبهم قولهم « آمنا باللّه وباليوم الآخر » . وفي ترتب الوعيد على الكذب دليل على قبح الكذب وسماجته . وما يروى عن إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم أنه كذب ثلاث كذبات أحدها قوله إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ] وثانيها قوله لسارة حين أراد أن يغصبها ظالم « إنها أختي » وثالثها قوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [ الأنبياء : 63 ] فالمراد التعريض « إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب » « 1 » ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به . والكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به ، وقد يعتبر فيه علم المخبر بكون المخبر عنه مخالفا للخبر ، والصدق نقيضه . وقراءة من قرأ « يكذبون » بالتشديد إما من كذبه الذي هو نقيض صدقه ، وإما من كذب الذي هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل « صدق » نحو : بان الشيء وبين الشيء ومنه قوله : قد بين الصبح لذي عينين أو بمعنى الكثرة نحو « موتت البهائم » ، أو من قولهم « كذب الوحشي إذا جرى شوطا ثم وقف لينظر ما وراءه » لأن المنافق متوقف متردد في أمره مذبذب بين ذلك . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة » « 2 » وما في قوله « بما كانوا » مصدرية أي بكذبهم ، وكان مقحمة لتفيد الثبوت والدوام أي بسبب أن هذا شأنهم وهجيراهم . البحث الثالث : في قوله تعالى « وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض » إلى قوله « ولكن لا يشعرون » .
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأدب باب 116 . ( 2 ) رواه مسلم في كتاب المنافقين حديث 16 . النسائي في كتاب الإيمان باب 13 . الدارمي في كتاب المقدمة باب 31 . أحمد في مسنده ( 2 / 32 ) .